loader image

Alsubaie

جريمة غسيل الأموال في الكويت

جريمة غسيل الأموال في الكويت

جريمة غسيل الأموال

تُعد جريمة غسيل الأموال، أو ما يُعرف بـ “تبييض الأموال”، من أخطر الجرائم الاقتصادية العابرة للحدود، وهي عملية معقدة تهدف إلى إضفاء صفة المشروعية على الأموال غير المشروعة المتحصلة من أنشطة إجرامية، بحيث تبدو وكأنها ناتجة عن مصدر قانوني سليم. إن هذه الجريمة لا تقتصر آثارها على الجانب المالي فحسب، بل تمتد لتطال النسيج الاقتصادي والاجتماعي للدول، حيث تُفسد المنافسة الشريفة، وتُشوه الأسواق، وتُضعف ثقة المستثمرين في النظام المصرفي والمالي للدولة، مما يؤدي إلى تآكل التنمية المستدامة.

لقد ظهرت في مجتمعاتنا العربية، ومنها دولة الكويت، جريمة غسيل الأموال في الآونة الأخيرة بشكل كبير، مما استدعى يقظة تشريعية لتعزيز المساءلة القانونية. إن هذه الجريمة تُعدم التنافسية في الاقتصاد المحلي بين أصحاب المال المشروع الذين مروا بمراحل عدة وبذلوا جهداً كبيراً ووقتاً ثميناً للوصول إلى ما وصلوا إليه، وبين أولئك المجرمين الذين يسعون إلى دمج الأموال المغسولة في الدورة الاقتصادية بطرق غير مشروعة. ولهذا، فإن فهم الإطار القانوني لهذه الجريمة وآليات مكافحتها أصبح ضرورة ملحة لحماية الاقتصاد الوطني.

ماهية جريمة غسيل الأموال وتطورها ؟

يُعرّف القانون جريمة غسيل الأموال بأنها أي عملية تهدف إلى إخفاء أو تمويه مصدر الأموال المتحصلة من جريمة، أو مساعدة شخص متورط في ارتكاب جريمة أصلية على الإفلات من المساءلة القانونية 1

. هذا التعريف يؤكد على أن الجريمة لا تقتصر على مجرد حيازة الأموال غير المشروعة، بل تتطلب سلوكاً إيجابياً يهدف إلى إخفاء طبيعتها الحقيقية.

تاريخياً، ارتبط ظهور هذه الجريمة بعصابات المافيا في الولايات المتحدة خلال الفترة ما بين 1920 و1930، حيث لجأت إلى إنشاء أعمال تبدو مشروعة، كالمغاسل الأوتوماتيكية، لـ يتم إدخال الأموال النقدية الضخمة الناتجة عن تجارة المخدرات والمقامرة في العمل المالي بطريقة يصعب تتبعها. ومع ذلك، اكتسب المفهوم الحديث لغسيل الأموال زخمه الأكبر في ثمانينيات القرن الماضي، بالتزامن مع التوسع الهائل في تجارة المخدرات العالمية. واليوم، لم يعد مصدر الأموال القذرة يقتصر على المخدرات فحسب، بل توسع ليشمل جرائم الفساد، والاحتيال المالي، والجرائم الإلكترونية، وتمويل الإرهاب، مما جعل غسل الأموال وتمويل الإرهاب تحدياً عالمياً يتطلب تضافر الجهود الدولية والمحلية.

الأركان القانونية لجريمة غسيل الأموال : البنيان التشريعي للجريمة

تتطلب جريمة غسيل الأموال، كأي جريمة جنائية، توافر أركان محددة لقيامها، وهي الركن المادي، والركن المعنوي، والركن المفترض (محل الجريمة). وقد نصت التشريعات الوطنية، ومنها القانون الكويتي، على تجريم الأفعال التي تشكل هذه الأركان.

الركن المادي: جوهر حركة الأموال

يتمثل الركن المادي في السلوك الإجرامي الذي يقوم به الجاني، وهو السلوك الذي يهدف إلى إخفاء أو تمويه مصدر الأموال غير المشروعة. ويبرز هذا الركن في صور ثلاث رئيسية، كما وردت في اتفاقية فيينا لعام 1988، وتبنتها معظم التشريعات:

صورة الركن الماديالوصف القانوني
تحويل الأموال أو نقلهاإجراء أي عملية تحويل الأموال أو نقلها مع العلم بأنها متحصلة من جريمة، بهدف إخفاء أو تمويه مصدرها غير المشروع.
إخفاء حقيقة الأموالإخفاء أو تمويه الطبيعة الحقيقية للأموال، أو مصدرها، أو مكانها، أو طريقة التصرف فيها، أو حركة الأموال، أو ملكيتها.
استخدام الأموالحيازة أو استخدام الأموال مع العلم بأنها متحصلة من جريمة، وذلك بهدف إضفاء صفة المشروعية عليها.

إن جوهر الركن المادي هو حركة الأموال وإجراء المعاملات عليها، سواء كانت هذه الأموال نقداً، أو أصولاً، أو حقوقاً، أو حتى الأموال عبر الحدود الدولية، مما يبرز تعقيد المالية المعقدة التي يستخدمها المجرمون.

الركن المعنوي: القصد الجنائي

يُعد القصد الجنائي ركناً أساسياً في جريمة غسيل الأموال، وهو يتكون من عنصرين:

  1. العلم: أن يكون الجاني عالماً بأن لهذه الأموال التي يتعامل بها مصدر غير مشروع، وأنها متحصلة من جريمة أصلية.
  2. الإرادة: أن تتجه إرادة الجاني إلى ارتكاب الفعل المادي (التحويل، الإخفاء، الاستخدام) بقصد إخفاء أو تمويه مصدر الأموال غير المشروعة.

الركن المفترض: محل الجريمة

يتمثل الركن المفترض في محل الجريمة، وهو الأموال غير المشروعة ذاتها. ويُشترط لقيام جريمة غسيل الأموال أن تكون هذه الأموال ناتجة عن ارتكاب جريمة أصلية سابقة، سواء كانت جناية أو جنحة. ويُطلق على هذه الأموال وصف “الأموال القذرة” التي يسعى الجاني إلى تطهيرها وإعادة دمج الأموال المغسولة في الدورة الاقتصادية المشروعة.

مراحل عملية غسل الأموال من التوظيف إلى الدمج

تتم عملية غسل الأموال عادةً عبر ثلاث مراحل متتابعة، تهدف إلى فصل الأموال عن مصدرها الإجرامي وجعل تتبعها أمراً بالغ الصعوبة، وهي مراحل التوظيف، والتمويه، والدمج.

المرحلة الأولى: التوظيف (Placement)

تُعد هذه المرحلة هي الأخطر، حيث يتم فيها يتم إدخال الأموال النقدية المتحصلة من الجريمة في النظام المصرفي أو العمل المالي الرسمي. ونظراً لأن الأموال الإجرامية غالباً ما تكون نقدية، يلجأ غاسل الأموال إلى عدة طرق لتجنب لفت الانتباه، مثل: التفتيت (Smurfing)، أو شراء أصول ذات قيمة عالية يسهل بيعها لاحقاً، أو استخدام الأنشطة التجارية التي تتعامل بكميات كبيرة من النقد. كما يتم اللجوء إلى إنشاء الشركات الوهمية التي لا تمارس نشاطاً حقيقياً، وتُستخدم كواجهة لإيداع الأموال.

المرحلة الثانية: التمويه (Layering)

في هذه المرحلة، يسعى الجاني إلى إخفاء مصدر الأموال عن طريق إجراء سلسلة من المعاملات المالية المعقدة والمتشابكة. الهدف هو فصل الأموال عن مصدرها الأصلي عبر طبقات متعددة من العمليات المالية، بحيث يصبح تتبعها مستحيلاً. وتتضمن هذه المرحلة: تحويل الأموال إلكترونياً بين حسابات دولية متعددة، وشراء وبيع الأوراق المالية أو السلع بسرعة، واستخدام القروض الوهمية أو الفواتير المزورة، واستخدام الملاذات الضريبية والشركات الخارجية (Offshore Companies) لإضفاء مزيد من التعقيد على حركة الأموال.

المرحلة الثالثة: الدمج (Integration)

وهي المرحلة النهائية التي يتم فيها دمج الأموال المغسولة في الاقتصاد المشروع بشكل كامل. فبعد أن مرت الأموال بمرحلة التمويه، تبدو لهذه الأموال صفة قانونية تامة، ويستطيع الجاني استخدامها بحرية دون خوف من المساءلة القانونية. ويتم الدمج عادةً من خلال الاستثمار في العقارات الفاخرة أو المشروعات الكبرى، أو شراء الأصول الثابتة والمنقولة، أو إظهار الأموال كأرباح من استثمارات أو مبيعات وهمية.

الصعوبات الحديثة في مكافحة غسل الأموال: العملات المشفرة والتقنية

الصعوبات الحديثة في مكافحة غسل الأموال
الصعوبات الحديثة في مكافحة غسل الأموال

شهدت جهود مكافحة غسل الأموال تحديات غير مسبوقة مع التطور التكنولوجي الهائل، خاصة مع ظهور وانتشار العملات الرقمية.

العملات المشفرة: ثغرة في حركة الأموال

أصبح استخدام العملات المشفرة، مثل البيتكوين والإيثيريوم، وسيلة جاذبة لغاسلي الأموال، نظراً لما توفره من سرعة في تحويل الأموال وإخفاء للهوية في بعض الأحيان. فـ يمكن تحويل مبالغ ضخمة من الأموال عبر الحدود في ثوانٍ معدودة، مما يزيد من صعوبة تتبع حركة الأموال من قبل السلطات الرقابية. وقد أصدرت مجموعة العمل المالي (FATF) توصيات محددة لضبط مقدمي خدمات الأصول الافتراضية (VASPs) لمكافحة غسل الأموال في هذا القطاع 2.

المالية المعقدة والجرائم الإلكترونية

إن التطور في أدوات العمل المالي العالمي، وظهور شبكات الجريمة المنظمة العابرة للحدود، واستخدام الجرائم الإلكترونية كـ مصدر الأموال غير المشروعة، كلها عوامل تزيد من تعقيد عملية غسل الأموال. ويتطلب ذلك من الدول تطوير أدواتها الرقابية والقانونية لمواكبة هذه التطورات، والتركيز على التعاون الدولي لتبادل المعلومات حول حركة الأموال المشبوهة.

الإطار التشريعي الكويتي: القانون رقم (106) لسنة 2013 وتأصيل المسائلة القانونية

تُعد دولة الكويت من الدول الرائدة في المنطقة في مجال مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب. وقد تجسد هذا الالتزام في إصدار القانون رقم (106) لسنة 2013 في شأن مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، والذي يُشكل الإطار القانوني الأساسي لهذه الأموال والأفعال المتعلقة بها. هذا القانون لم يأتِ بمعزل عن الجهود الدولية، بل جاء متوافقاً مع التوصيات الأربعين لمجموعة العمل المالي (FATF)، مما يعكس التزام الكويت بالمعايير العالمية في العمل المالي.

جريمة غسيل الأموال في الكويت
جريمة غسيل الأموال في الكويت

أحكام القانون الكويتي: توسيع نطاق التجريم والعقوبات الرادعة

لقد جاء القانون الكويتي شاملاً ومتوافقاً مع التوصيات الدولية لمجموعة العمل المالي (FATF)، حيث:

  • توسيع نطاق الجرائم الأصلية:

لم يعد غسل الأموال مقتصراً على متحصلات جرائم محددة، بل شمل متحصلات أي جناية أو جنحة، سواء وقعت داخل الكويت أو خارجها، طالما كانت تشكل جريمة في كلا البلدين. هذا التوسع في التجريم يضمن شمولية المساءلة القانونية لأي مصدر الأموال غير المشروع.

  • العقوبات الرادعة:

نص القانون على عقوبات مشددة تصل إلى الحبس مدة لا تجاوز خمس عشرة سنة وغرامة لا تقل عن قيمة الأموال محل الجريمة ولا تجاوز ضعف هذه القيمة، بالإضافة إلى مصادرة الأموال والأدوات المضبوطة 4

إن هذه الشدة في العقاب تهدف إلى تحقيق الردع العام والخاص، وتؤكد على جدية الدولة في مواجهة هذه الجريمة التي تهدد كيان النظام المصرفي والاقتصادي.

  • إنشاء وحدة التحريات المالية (Kuwait FIU):

أنشأ القانون وحدة مستقلة للتحريات المالية كجهة مركزية مسؤولة عن تلقي وتحليل الإبلاغات عن المعاملات المشبوهة (STRs). تلعب هذه الوحدة دوراً محورياً في تعزيز قدرة النظام المصرفي والمؤسسات المالية على مكافحة غسل الأموال من خلال جمع المعلومات وتحليلها وإحالتها إلى جهات إنفاذ القانون عند الضرورة.

دور المؤسسات المالية والمهن غير المالية المحددة (DNFBPs)

يُلزم القانون الكويتي المؤسسات المالية والأعمال والمهن غير المالية المحددة (مثل المحامين والمحاسبين وتجار العقارات) بتطبيق إجراءات العناية الواجبة تجاه العملاء (KYC)، والإبلاغ الفوري عن أي معاملات مشبوهة. ويُعد هذا الالتزام خط الدفاع الأول لمكافحة غسل الأموال، حيث يضمن أن يتم إدخال الأموال في العمل المالي وفقاً لأعلى معايير الشفافية.

شاهد أيضا : استشارات الامتثال التنظيمي للشركات

مكافحة استخدام الشركات الوهمية:

يشدد القانون على مراقبة إنشاء الشركات الوهمية أو استخدامها كأداة لـ دمج الأموال المغسولة. فغالباً ما تُستخدم هذه الشركات كواجهة لإخفاء مصدر الأموال الحقيقي، ولهذا فرض القانون عقوبات صارمة على كل من يسهل هذه العمليات، مما يعزز من المساءلة القانونية للمتورطين.

استمرار الجهود لمكافحة غسل الأموال

في الختام، تظل عملية غسل الأموال تحدياً مستمراً يتطور بتطور الأدوات المالية والتكنولوجية. إن مكافحة هذه الجريمة تتطلب يقظة قانونية مستمرة، وتحديثاً للتشريعات، وتعاوناً دولياً فاعلاً. إن الإطار القانوني الكويتي، ممثلاً في القانون رقم (106) لسنة 2013، يُعد خطوة متقدمة في حماية الاقتصاد الوطني من الأموال غير المشروعة، ويؤكد على التزام الدولة بتحقيق أعلى مستويات الشفافية والنزاهة في العمل المالي العالمي. إن تحقيق المساءلة القانونية في هذه الجرائم يتطلب تضافر جهود جميع الأطراف، من الجهات الرقابية إلى المؤسسات المالية والأفراد، لضمان أن تبقى الكويت حصناً منيعاً ضد هذه الآفة الاقتصادية.

إعداد المستشار: محمود يحيى بهادر

Scroll to Top